OUSSAMA ROMDHANI's BLOG: An author's bridge to hope.

ميدل ايست أونلاين: الحوار الاستراتيجي’ التونسي الاميركي: ثالث حوار بين واشنطن وبلدان المغرب العربي. لماذا؟

ميدل ايست أونلاين

First Published: 2014-03-20

:الحوار الاستراتيجي’ التونسي الاميركي

 ثالث حوار بين واشنطن وبلدان المغرب العربي. لماذا؟

 

أسامة رمضاني

لا يبدو البعد الأمني منفصلا عن البعد الأساسي الثاني في ‘الحوارات الإستراتيجية’ الأميركية المغاربية، والمتمثل في البعد الاقتصادي.

ميدل ايست أونلاين

تتزامن زيارة رئيس الحكومة التونسي المهدي جمعة الى واشنطن في الرابع من ابريل/نيسان القادم مع انطلاق اولى جلسات “الحوار الاستراتيجي” التونسي – الاميركي.

وسيكون هذا الحوار الثالث من نوعه في منطقة المغرب العربي، بعد الحوارين اللذين سبق أن انطلقا بين واشنطن وكل من المغرب والجزائر.

ما هي الاهداف المرجوة من مثال هذه الحوارات؟

تقول السيدة الن لايبسون، المسؤولة الأميركية السابقة والرئيسة الحالية لمعهد “ستيمسن” للدراسات الإستراتيجية في واشنطن، أن تعريف هذه الحوارات “مرن” وهو يتكيف حسب رغبات طرفي الحوار. ولكن هذه الحوارات تتجاوز في كل الأحوال من حيث عمقها المستوى الاعتيادي للحوارات الثنائية. “فالحورات الإستراتيجية” هي عادة حوارات ذات بعد إقليمي، كما هي تتجاوز الاعتبارات الظرفية أو القصيرة المدى من حيث استشرافها للآفاق البعيدة المدى للعلاقات الثنائية.

وقد صرح مسؤول أميركي سام له تجربة طويلة في مثل هذه الحوارات (على هامش زيارة وزير الخارجية جون كيري الأخيرة لتونس) أن رفع العلاقات الثنائية بين أميركا وأي بلاد من العالم إلى مستوى “الحوار الاستراتيجي” يكرس الاهتمام بهذه العلاقات بشكل “مؤسساتي” ويعطيها طابع “الثبات والدورية” ويخلق فرصا للطرفين المتحاورين “كي ينصتا ويتحدثا لبعضهما البعض”.

ويلاحظ تاريخيا تطور الحوارات على نسق مختلف حسب أولويات الولايات المتحدة والبلدان المعنية بالحوار وتغير الظروف المحيطة بهذه الحوارات.

وقد شملت “الحوارات الإستراتيجية” للولايات المتحدة بلدانا عديدة مثل الهند وباكستان والصين والبرازيل وجنوب إفريقيا ومصر. وأدت الظروف إلى انقطاع بعض هذه الحوارات أحيانا.

كما أن مفهوم “الحوارات الإستراتيجية” ليس حكرا على أميركا إذ تنتهجه بلدان أخرى مثل الصين والهند وفرنسا وغيرها.

لكن ماذا تضيف “الحوارات الإستراتيجية” للعلاقات بين أميركا وبلدان المغرب العربي؟

بالنسبة للبلدان المغاربية، تمثل “الحوارات الإستراتيجية” في حد ذاتها تحولا في العلاقة مع واشنطن وتطورا يتجاوز الاهتمام الظرفي السابق نحو تركيز الاسس لاهتمام ثابت لأصحاب القرار السياسي الأميركيين بالعلاقات والمشاغل الثنائية والإقليمية المشتركة مع بلدان المنطقة المغازبية، ذلك ان “الحوارات الاستراتيجية” تحتم عقد اجتماعات دورية (مرة في السنة على الاقل) وعلى مستوى حكومي عال . وهذا يعد تطورا نوعيا لافتا إذ أن الملفات المغاربية لم تكن لحد الآن تنال اهتمام الساسة الأميركيين بالمقارنة مع اهتمامهم بالأوضاع في بلدان ومناطق أخرى من العالم.

ويربط مارك حبيب الأستاذ بجامعة جورج واشنطن وخبير العلاقات الأميركية المغاربية هذا الاهتمام الأميركي الجديد بتغير الأوضاع في منطقة شمال إفريقيا منذ “ثورات الربيع العربي” وهو يرى أن “الحوارات الإستراتيجية” مع بلدان المغرب العربي سوف “تضمن حدا أدنى من التنسيق مع الولايات المتحدة على صعيد الاستراتيجيات الأمنية، خاصة فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب، وكذلك فيما يخص الاستراتيجيات الاقتصادية والتجارية”.

ويلاحظ أن واشنطن كانت أطلقت في سبتمبر وأكتوبر 2012 حلقة أولى من “الحوارات الإستراتيجية” مع المغرب الأقصى والجزائر. وكان من المنتظر أن يتم تنظيم الحلقة الثانية من هذه الحوارات في الرباط والعاصمة الجزائرية في نوفمبر الماضي. لكن وزير الخارجية الأميركي أعلن تأجيل تلك الاجتماعات كي يتمكن من التحول إلى جينيف للمشاركة للمفاوضات مع إيران.

اختلاف المسارات الأوروبية والاميركية

من الواضح أن “الحوارات الإستراتيجية” الأميركية سوف تضع الأسس لمسار مستقل له منظور مختلف عن المسار المغاربي-الأوروبي.

فبحكم العلاقات المصلحية والتاريخية الوثيقة والقرب الجغرافي وما يترتب عنه من مشاكل وهواجس وتداعيات مستمرة، فقد حافظ الشركاء التقليديون للمغرب العربي في أوروبا على علاقات مكثفة ولصيقة مع البلدان المغاربية، سواء بشكل جماعي (في إطار الاتحاد الأوروبي) أو بشكل ثنائي كما هو الأمر بالنسبة للبلدان القريبة من المنطقة (مثل فرنسا)، بل وأضافوا إليها تدريجيا مسارات أخرى مثل مسارات “الجوار” و”الشراكة المتميزة”، في الوقت الذي واصلوا فيه التعويل على قنوات “الحوار المتوسطي” للحلف الأطلسي في العديد من المسائل العسكرية والأمنية. كل ذلك جعل العلاقات المغاربية الأوروبية في غنى عن مسارات على شاكلة الحوارات “الإستراتيجية” الأميركية.

ونظرا لاختلاف المصالح الأوروبية في المغرب العربي عن مصالح الولايات المتحدة في المنطقة، لم تكن الاستراتيجيات الأوروبية والأميركية في المنطقة في كثير من الأحيان متطابقة.

وقد أشار تقرير لمنظمة “أطلنطيك كاوينسل” الأميركية (صدر في أواخر العام الماضي) إلى أنه رغم التعاون الوثيق أثناء الأزمات فقد بقي التنسيق الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي محدودا على صعيد السياسات تجاه البلدان العربية التي تمر بمراحل انتقالية.

اجندات المغرب العربي

من الواضح أن أولى الاهتمامات في إطار “الحوارات الإستراتيجية” الأميركية مع بلدان المغرب العربي الثلاث كانت وستبقى في المستقبل المنظور أمنية بالمعنى الواسع للكلمة. وذلك يشمل بالخصوص مواجهة الإرهاب (بتفرعاته الإقليمية والدولية) وفي درجة ثانية العمل على “إصلاح المنظومات الأمنية” لبلدان المنطقة.

وإن كان التعاون المغاربي الأميركي في مجال مقاومة الإرهاب يعود إلى فترة طويلة نسبيا، فإنه في حالة الجزائر على وجه الخصوص شهد تطورا نوعيا بعد أحداث 11 سبتمبر التي أحدثت تقاربا بين المصالح الأمنية الجزائرية والأميركية وان بقيت المقاربات التكتيكية مختلفة.

ويرتبط الاهتمام الأميركي بالإرهاب في المغرب العربي بتدهور الاوضاع الامنية في المنطقة بعد فيفري 2011 وخاصة انهيار نظام العقيد معمر القذافي وما انجر عن ذلك من تدفق للأسلحة والمقاتلين من ليبيا نحو شمال مالي بما أدى إلى تدخل فرنسا عسكريا وتدفق الكثير من العناصر الجهادية المتطرفة من مالي إلى جنوب الصحراء. وقد سبق الحملة العسكرية الفرنسية هجوم مجموعة تابعة لتنظيم “الموقعين بالدم” على منشأه عين أميناس الجزائرية، مما تسبب في مقتل 39 عاملا أجنبيا وإثارة مخاوف المؤسسات البترولية العالمية من أن يؤدي تنامي الأنشطة الإرهابية عبر الصحراء إلى تعريض مصادر التزود بالبترول والغاز إلى الخطر.

وحتى في غياب “حوارات إستراتيجية” مباشرة بين واشنطن وطرابلس يبقى انخرام الوضع الأمني في ليبيا من أهم الاعتبارات المرشحة لتحتل موقعا متميزا على جدول أعمال “الحوارات الإستراتيجية” المغاربية الأميركية، وذلك على ضوء بقاء أكثر من 20 مليون قطعة سلاح خارج السيطرة ومواصلة فرض المليشيات في ليبيا لإرادتها على المؤسسات الحكومية والمنشآت النفطية وحتى على المعابر الحدودية. وقد ادى ضعف الحكومة المركزية الى فرار سفينة “مورنينغ غلوري” محملة بشحنة من النفط المهرب، قبل ان توقفها البحرية الاميركية في البحر الابيض المتوسط.

كما أن الوضع في منطقة الساحل والصحراء المتاخمة للمغرب العربي سوف يمثل مسالة ذات أهمية في الحورات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة. وقد لفت ويليم زرتمن، الخبير الاستراتيجي الأميركي المختص في الشؤون الإفريقية،قبل إطلاق “الحوارات الإستراتيجية” إلى انه “بدون تعاون وتنسيق أمنيين بين البلدان المغاربية وكل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة فان الوضع في منطقة الساحل سوف يبقى نقطة الضعف الأساسية بالنسبة للأمن الإقليمي في المغرب العربي”.

وأمام تدهور الأوضاع الأمنية في شمال افريقيا لوحظ مؤخرا تواتر الدعوات لمنظمة الحلف الأطلسي كي تسرع بإعداد “إستراتجية جنوبية” لمواجهة كل الاحتمالات في شمال إفريقيا.

ويشار إلى أن الوضع الأمني في المغرب العربي وخاصة ما يتعلق منه بالإرهاب قد أصبح يكتسي أهمية سياسية بالغة على الساحة الداخلية الأميركية ذاتها، بعد الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي ومقتل سفير الولايات المتحدة في ليبيا كريس ستيفنس أثناء الهجوم. وأدت المراجعات التي حصلت بعد ذلك في أميركا إلى تطوير الولايات المتحدة لجاهزية قواتها في جنوب ايطاليا واسبانيا.

ويرى المحللون أن مقاومة الإرهاب في المنطقة المغاربية سوف يزيد في تعويل بلدان المنطقة على الولايات المتحدة وفرنسا خاصة على صعيد جمع المعلومات والتسلح والتدريب.

وإذ كان الدور الأجنبي في مقاومة الإرهاب سوف يواصل بالتأكيد إثارة بعض ردود الفعل السياسية السلبية في المنطقة المغاربية، فان الوعي المتزايد بخطورة التهديدات الأمنية المتفاقمة سوف يخفف من حدة ردود الفعل تلك، اعتبارا لان التحديات الإرهابية الجديدة تتجاوز القدرات الذاتية لبلدان المنطقة. وإذ تقوم تونس على وجه التحديد بمراجعة عقيدتها الأمنية من اجل ملاءمتها ومتطلبات التطور الديمقراطي، فهي مازالت تحتاج إلى توافق سياسي داخلي يمنح المنظومة الأمنية والعسكرية فيها تكليفا واضحا حتى تتعامل بأريحية ونجاعة مع الإطراف الإقليمية والدولية القادرة على مساعدتها على درء المخاطر الإرهابية المحدقة، وذلك بالشكل الذي تحدده المنظومة الامنية والعسكرية (وليس الأطراف الحزبية او السياسية).

ولا يبدو البعد الأمني بشكل عام منفصلا عن البعد الأساسي الثاني في “الحوارات الإستراتيجية” الأميركية المغاربية، والمتمثل في البعد الاقتصادي.

فاستتباب الأمن في المنطقة ضروري من أجل فتح مجالات الشراكة والتجارة والسياحة على نطاق أوسع.

كما أن تونس والمغرب الأقصى تعيان على وجه الخصوص أهمية السعي إلى تنويع شراكاتها الدولية من خلال تعزيز التعاون مع الولايات المتحدة.

اما بالنسبة للجزائر فان المصالح الاقتصادية مع الولايات المتحدة تتجاوز مصالح أية دولة مغاربية أخرى مع أميركا. إذ تبلغ قيمة المبادلات التجارية للجزائر مع الولايات المتحدة حوالي 18 مليار دولار سنويا (مما يجعل هذه الأخيرة أكبر شريك تجاري للجزائر). كما أن المشاريع المرتبطة بالطاقة تبقى المشاريع الاقتصادية الأهم. ويشار في هذا النطاق إلى العقد الذي أبرمته مؤخرا الجزائر مع شركة “جينيرال الكتريك” بما قيمته 2.7 مليار دولار، ويوفر هذا العقد حوالي 4000 موطن شغل في الولايات المتحدة.

وهل يمكن “للحوار الإستراتيجي” مع الولايات المتحدة أن يفتح آفاقا جديدة لمساعدة بلدان المغرب العربي اقتصاديا وخاصة منها تونس في مرحلتها الانتقالية؟

من الواضح أن مجالات المساعدة الاقتصادية التقليدية الأميركية قد انحسرت خلال العقدين الماضيين. لكن تونس تأمل أن يفتح نجاحها في المرحلة الانتقالية المجال لمساعدة أميركية أكبر.

ويدرك السياسيون الأميركيون من ناحيتهم انه بدون ديناميكيات اقتصادية فعالة تسمح بتسريع نسق النمو وخلق مواطن الشغل فان بلدان المغرب العربي (ومن بينها تونس) تبقى غير محصنة من خطر الهزات الاجتماعية والسياسية العنيفة. لذا فمن المرجح أن يحاولوا البحث مع مخاطبيهم عن سبل جديدة لتحفيز المبادرات الأميركية في مجالات التجارة والاستثمار والسياحة نحو المنطقة.

وقد لمّح المسؤولون الأميركيون على هامش زيارة كبرى الأخيرة لتونس إلى إمكانية أن يظهر الكونغرس حسن استعداده من خلال مبادرات جديدة، (وإن كانوا أشاروا إلى أن تونس تلقت بعد من واشنطن منذ 2011 مساعدة تقدر بحوالي 400 مليون دولار). ولكن المسار التشريعي الأميركي يبقى دائما مسارا معقدا على صعيد المساعدة الخارجية التي قلما تنال إجماع أعضاء الكونغرس.

كل المعطيات تدل على أن “الحوارات الإستراتيجية” بين الولايات المتحدة ومخاطبيها في المنطقة المغاربية تبقى أساسا حورات ثنائية رفيعة المستوى حتى بعد نعتها بـ”الإستراتيجية” ومحاولة توسيع نطاقها حتى تشمل التداعيات “الإقليمية” للمستجدات.

ولكن هل يمكن “للحوار الإستراتيجي” بين الولايات المتحدة وبلدان المغرب العربي أن يشمل ليس فقط مناقشة المسائل الثنائية ذات الاهتمام المشترك وإنما أيضا المشاريع التي تشجع على الإندماج المغاربي؟

قد يبدو السؤال غريبا لأول وهلة. ولكنه يصبح مفهوما اذا اخذنا بعين الاعتبار اجماع الكثير من الأطراف المؤثرة عالميا على ان الإندماج المغاربي يشكل عامل إستقرار وتنمية من شانه أن يخدم مصالح شعوب المنطقة وأمنها وبالتالي لا يمكن أن يتعارض مع أي “حوار إستراتيجي” دولي مع حكوماتها.

ويقول خبراء أميركيون في هذا الصدد أن واشنطن مستعدة لبعث أية مشاريع قد تساهم في دعم الإندماج المغاربي. ولكنه من الواضح أن الأوضاع الراهنة المرتبطة بالخلاف بين المغرب والجزائر حول قضية الصحراء الغربية وكذلك الوضع الأمني في ليبيا سوف تعيق التركيز المشاريع ذات الفائدة الاندماجية.

ويرى هؤلاء الخبراء أن المشاريع المغاربية ذات القيمة الإقليمية المضافة يجب أن تنبع من رغبة حقيقية لدى بلدان المغرب العربي أولا، حتى وإن رغبت واشنطن في ذلك أو سلمنا بأن ذلك من أولوياتها. وتقول السيدة الن ليبسن في هذا الصدد أن “الولايات المتحدة لن تدفع بقوة في هذا الاتجاه إن كانت الأطراف المغاربية غير متحمسة له”.

البداية إذن لا يمكن أن تكون إلا في “توافق إستراتيجي مغاربي” يجعل المنطقة تتجاوز تناقضاتها ونقاط ضعفها وتستغل الإهتمام الخارجي لتحقيق أهدافها وخدمة مصالحها الذاتية، ولكن هذا التوافق الذي غاب عن المنطقة في حواراتها مع أوروبا لا يبدو قابلا للتحقيق بيسر مع “مخاطبيها الإستراتيجيين” القادمين من وراء المحيط.

أسامة رمضاني

وزير تونسي سابق وحاليا معلق في الصحافة العالمية

Original Story link

http://www.middle-east-online.com/?id=173201

Also published by

Al Arab newspaper,  www. afrigatenews.com

Leave a Reply